محفوظ فرج إبراهيم
مقالات وقصائد
.
.

في البناء الأسطوري / محمود جنداري مثالاً

في البناء الأسطوري    محمود جنداري مثالاً

محفوظ فرج إبراهيم

 

        لم يكن توظيف القاص محمود جنداري للرمز الأسطوري في قصصه القصيرة في مجموعته القصصية ( عصر المدن ) مثل غيره ممن نحى هذا المنحى في القصة القصيرة ؛ إنه يفترق عنهم باختياره أسلوبا سرديا خاصا به؛ فهو لا يرتكز على الأسطورة ليحدث بينها وبين شخوصه، وأحداثه مقابلة تستوعب قصصه ، وإنما يمر لديه الرمز الأسطوري سريعا شأنه شأن الرموز التاريخية الأخرى أحداثا وأماكن وشخصيات منذ أول بصيص لتاريخ العراق حتى الحاضر ؛ ويبدو أن توجه القاص للتاريخ بدأ منذ وقت مبكر كما يقول هو إذ أشّر بداياته منذ قصة (حدث في عام الفيل) المنشورة في الموقف الأدبي عام 1973م.                                                                                       وفي مجموعتيه القصصيتين ( أعوام الضمأ ) و ( الحصار)

يذكر أن توظيفه للتاريخ كان مجرد مناطق إضاءة تساعد على استكمال البانوراما التي أراد التعبير عنها وفي مجموعته القصصية ( عصر المدن ) أي قصصه ( القلعة ، مصاطب الآلهة ، زو العصفور الصاعقة ، العصور الأخيرة ، عصر المدن ) أصبح التاريخ هو مادة الكتابة ، والجدل ، والمحاورة الجادة العميقة ، وعلى الرغم من ذلك فالملاحم والأساطير له عناية خاصة بها إذ يراها خامات شديدة الخصوبة تمنح الكاتب طاقة غير منظورة وغير محددة بزمن ولا بمكان ومن خلالها يحاول إعادة عالمه الخاص بترتيب الأحداث ، والرموز والأزقة وفق ما يراه 1

    لقد سنحت لي الفرصة أن أقرأ له من مجموع هذه القصص قصة العصور الأخيرة، وعصر المدن وكان فيهما لا يولي اهتماما بتوظيف الأسطورة ولكن بنية السرد تنحو منحى ملحميا ، وميثولوجيا واضحا ولكن دونما تفريط بالإطار الواقعي والحسي للسرد2، إنه من خلال تكرار لازمة يختارها يجري انتقالا إلى زمن آخر، ومكان آخر ، وشخصيات تاريخية أخرى ففي قصة العصور الأخيرة يكون الفعل الأمر ( علمني ) منطلق السرد وكلما انتهى من زمان ، ومكان ، وحدث عاد إليه لينطلق ثانية إلى أزمنة ، وأمكنة ، وأحداث ليس لها رابط بالتي سبقتها ولا هي تالية لها؛ وهكذا بطريقة يفكك فيها الوقائع ليجعل منها شذرات غير مترابطة تتداعى في أذهان الرواة الذين يشغلهم أمر استحضارها كأنها منشط خفي لإيقاظ الوعي ؛ إن عدم الترابط الآنف الذكر ينثال قي ذاكرة الرواة دفعة واحدة كأنها تقع في زمن واحد وعلى الرغم من التشضية تبدو نسيجا موحدا وموحيا .

  إن قصة (عصر المدن ) التي يتكرر في مفاصلها ( طويس ) وتنتقل الأزمنة والأمكنة كلما أخرج (طويس ) الدف ونقر بثلاثة أصابع عليه انتقلت أجواء السرد إلى مناخات ملحمية ، أسطورية البناء، ولا بأس إذا كان في خضم هذه الأجواء توظيف أسطوري كما يبدأ القصة ( أشرقت الشمس على بابل وصار في أرضها دهس ، وقشعريرة وانتشرت في براريها روائح الآس ، والياسمين ، وفاحت رائحة البخور الراكدة في ظلمات معبدها حيث يجلس مردوخ الكبير على منصة من حجر )

   لقد اقتربت قصص محمود جنداري كثيرا من قصيدة النثر وإن الأمكنة ، والأزمنة ، والأحداث هي ليست إلا رموزا وصورا لقصيدة شعرية طويلة وابتعدت كثيرا عن ملامح القصة القصيرة التقليدية التي يجري فيها تنامي الأحداث والتعاقب الزمني .

     إن لغة القاص حافلة بالمجاز، والرموز لتجسيد الجانب التكويني في الأسطورة ، وهناك إيقاع خاص ينظم السرد من خلال تكرار صياغات لغوية معينة، واتخاذ هذه الصياغات منطلق لاستئناف السرد بقوة أكبر3

  * حقوق النشر محفوظة للكاتب في كتابه ( الأسطورة في القصة العراقية )  المطبوع 1996م

    وقد قرأت الكتاب ضمن نشاطاتنا الأدبية سنة1994

1ـ آفاق عربية مقابلة مع القاص أجراه هاتف الثلج العدد/ 11/ 1989 ص 126

  الأديب المعاصر العدد/ 1 / 19993 ص 44 توظيف الموروث البابلي  الدكتور عبد الله إبراهيم

3ـ الأقلام العدد/4 / 1989 ص136 تعقيب لباقر جاسم محمد

 

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 28 ديسمبر, 2006 05:07 م , من قبل hala2006hala
من الكويت

سلم القلم وراعيه

تفصيل وتحليل وتوضيح سلمت عليه

يعطيك الف عافيه

دمت بروعتك

هاله


اضيف في 30 ديسمبر, 2006 02:37 م , من قبل ttarwa

الأستاذ الشاعر ..

محفوظ أبراهيم..

لربما نستفيد من حضرتكم مستقبلا..في التحليل والنقد الأدبي...
بارك الله فيك وكل عام وأنت بخير..




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.